عبد الملك الجويني

500

نهاية المطلب في دراية المذهب

وإن قال : هذا صدقة مالي أو زكاة مالي ، ولم يقيّد بالتعجيل ، ثم تبين الأمر ، ولم تجب الزكاة ، ففي ثبوت الرجوع خلاف مرتب ، وهاهنا أولى بأن لا يثبت الرجوع . ولو أطلق الإخراج ، ولم يتعرض لذكر شيء ، فالظاهر هاهنا أنه لا يرجع ، وفيه خلاف . فإذا تبينت هذه المراتب في هذا القسم ، ابتدأنا بعده القسم الثاني ، وهو مقصودنا ، فإذا عجل النفقةَ ، فلو تبين الحملُ ، لترتب عليه أن النفقة أُخرجت في وقت وجوبها ، فإن الوجوب يستند ( 1 ) ، وإنما لا نوجب التعجيل على هذا القول الذي نفرع عليه ، لأنا لسنا نتبين الحمل ، ولا نرى الإخراج من غير ثبت . 10169 - فإذا تُصوِّر هذا القسم وتميز عن القسم المذكور قبله ، فنذكر ما أرسله الأصحاب فيه ، ثم نوضّح الأصل الذي عليه التعويل . قال الأصحاب : إن عجل النفقة ، وشرط الرجوع ، ثم بان انتفاءُ الحمل ، رجع . وإن لم يشترط الرجوع ، ثم بان انتفاء الحمل فهل يرجع ؟ فعلى وجهين : أحدهما - أنه يرجع ؛ لأنه أخرجه على تقدير الوجوب ، فإذا بان أن لا وجوب ، ثبت له حق الرجوع ، كما لو دفع مالاً إلى إنسان ، وهو يعتقد أنه يستحق عليه دَيْناً ، ثم بان أنه لا حقّ له ، فالباذل يرجع . والوجه الثاني - أنه لا يرجع ؛ لأنه متبرع بالإخراج في الحال ، فإن لم يثبت الوجوب ، حمل ما أخرجه على التبرع ، وما قدمناه من المراتب في الزكاة المعجلة لا حاجة إلى ذكرها هاهنا ؛ فإنها تَعلم أن النفقة تأتيها من قِبل ظن الحمل ، والعلم ( 2 ) في هذا بمثابة الزكاة ، والمسكين إذا جاءه مال عن ذي ثروة ، فيجوز أن يكون متصدقاً عليه على سبيل التطوع ، فالتفصيل الذي لا بد منه هاهنا ما ذكرناه من شرط الرجوع والسكوتِ عنه . هذا ما تمسّ الحاجة إليه في هذا القسم .

--> ( 1 ) يستند : أي يقع مستنداً إلى تحقق الحمل الذي لم يكن محققاً وقت إخراج النفقة . ( 2 ) أي علم الزوجة التي تتلقى النفقة يكون بمثابة المسكين الذي يتلقى الزكاة .